الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

302

نفحات القرآن

المالية والحرمان من بعض الحقوق الاجتماعية ) فلا يمكن أن يطلق عليه قانوناً . فكيف تكون القوانين الإلهيّة - والحالة هذه - خالية من الضمانة التنفيذية ؟ ! فهي عندئذٍ تفقد قيمتها القانونية ، ولا يرى المخالفون لها والمتخلفون عنها أي دافع أو وازع لإطاعتها والالتزام بها ، ويبقى هدف القانون عقيماً . صحيح أنّ الآثار الوضعية والطبيعية لعدم الالتزام قد تكون رادعاً للذين يقومون بمخالفات شرعية ، إلّاأنّها غير كافية لوحدها ، ولهذا فقد أدرج سبحانه وتعالى سلسلة من العقوبات لمن يتخلف عن الالتزام بها ، فكما يهدد أقواماً بالعقوبة الدنيوية ( وأمثلة ذلك كثيرة وقد تحققت في الوجود الخارجي وأشار إليها القرآن في تبيانه لحياة الأقوام السالفة ) فهو - جلّ شأنه - قد وضع أيضاً العقوبات في الآخرة لمن يتوانى عن التقيّد بها . ومن الواضح كذلك أنّه كلما اشتّدت لهجة الترغيب والترهيب ، كلّما كان التأثير أقوى وأكثر . وهذا الأمر يوضّح أحد الأبعاد الأساسية لفلسفة وجود الجنّة والنّار . وربّما يقال هنا إنّ جميع الآثار التي عُرضت إنّما تترتب على الوعيد بالعقاب والجزاء ، وعلى هذا ، فما المانع من أن يكون سبحانه وتعالى قد عرض كل هذه التهديدات والتحذيرات ، إلّاأنّها لا تتحقق في القيامة ، لعدم وجود ضرورة لها ، وذلك لخلو ذلك العالم من دروس العبرة للآخرين وانعدام تكرار الذنب من قبل المجرمين ؟ إنّ هذا الكلام يستلزم أن يرتكب اللَّه عزّ وجلّ ، القبيح وأنّه - والعياذ باللَّه - يكذب ويتخلف عن وعده فهو يوعد بالعقاب للمتخّلفين وحتّى أنّه يُقسم بتنفيذ وعيده ، وكيف لا يطبق ذلك فعلياً ؟ ! من البديهي أنّ هذا الفعل قبيح لا يليق بذاته المقدّسة بل ولا يفعله الإنسان المهذب الحكيم . والنتيجة : أنّ وجوب التهديد والوعيد بالعقاب والجزاء ضمانة تنفيذية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، لابدّ من تطبيق تلك الوعود والتهديدات لدفع القبح عن ذاته المقدّسة . وهذه هي فلسفة وجود جهنّم وعقوباتها .